مقــدمــة
إن الهدف الرئيس للقانون يتجلى في المحافظة عل حقوق الأفراد إلى جانب الحقوق العامة، جعل المشرع يحدد وسيلة لتكفل وتحقق هذا الهدف ووضعه من الواجبات الأساسية التي تلتزم بها السلطة القضائية والتي كلفها الدستور بإحقاق الحق وإنصاف المعتدى عليهم أو المظلومين.
لقد منح المشرع للأفراد والأشخاص عدة امتيازات وحقوق بهدف تحقيق العدالة والإنصاف وإرساء مبادئ الحق والقانون ، وتأكيدا لهذه الغاية اقر المشرع للأفراد حق الدفاع عن أموالهم وأنفسهم بواسطة الدعوى، كوسيلة قانونية قررها القانون للمطالبة بحق من الحقوق أمام القضاء و التي بمقتضاها يتم اللجوء إليه للتدخل والحيلولة دون أي تعرض على الحقوق المذكورة.
ويتم ذلك عادة بواسطة الطلبات التي يتقدم بها المتضرر أمام المحكمة تعبيرا منه على رغبته في رفع الاعتداء على حقوقه، سواء في شكل طلبات أصلية افتتاحية أو عارضة أو إضافية، كإجراءات ضرورية لقبول هذه الدعوى وإتباعها.
فالأصل في الدعوى أن تكون على شكل طلب أصلي أو افتتاحي، أو في صورة طلب إضافي أو مقابل يقدم أثناء النظر في الدعوى ، وهذا هو أصل القاعدة ، أما في الحالات التي يكون فيها الشخص مدعى عليه أو لم يتقدم بالدعوى بداية فيجب الحفاظ على مصالحه ومنحه فرصة الدفاع عن نفسه والحيلولة دون الحكم عليه في الدعوى المرفوعة ضده .
ولن يتأتى ذلك إلا بممارسته لحق الدفوع في صورها الشكلية أو الموضوعية أو الدفوع بعدم القبول كما صنفها الفقهاء.
و الدفوع يقصد بها عموما مختلف الوسائل التي يستعين بها الخصم أو يستعملها احد أطراف الدعوى لرد ادعاء خصمه أو الطعن في صحة مزاعمه أو تأخير البت في النزاع أو تجنب الحكم له به.
وتتميز الدفوع عن الطلبات العارضة في كونها ليست إلا وسائل للدفاع يسلكها احد الخصوم لاتقاء مطالب خصمه.(1)
فيمكن للمدعى عليه أن يثير دفوعا تتعلق بمسطرة الدعوى أو إجراءاتها وهي التي تعرف بالدفوع الشكلية وهو ما سنتناوله في( المبحث الأول)، أو أن يتمسك بدفوع تتصل بموضوع أو جوهر الدعوى كدفوع موضوعية أو أن يثيردفوعا لا تمت لا بالمسطرةولا بالموضوع بأية صلة بحيث يتمسك فيها بعدم قبول الدعوى من أساسها وهو الذي سنتطرق له في( المبحث الثاني).
المبحث الأول : الدفـوع الشكلية
الدفوع الشكلية هي التي تنصب على إجراءات الدعوى وشكلياتها دون المساس بجوهر الحق المدعى به أو حق الخصم في إقامة الدعوى وهي الوسائل التي يستعين بها الخصم في الطعن في صحة إجراءات الخصومة دون التعرض لأصل الحق الذي يدعيه خصمه ليتفادى بها مؤقتا الحكم عليه بمطلوب خصمه.(2)
فالمشرع قد أحاط عملية التقاضي بإجراءات وشكليات خاصة ليست غاية في حد ذاتها ولكن هي ضمانات للمتقاضين ينبغي عليهم وعلى المحكمة احترامها والتقيد بها، وإلا ترتب الجزاء القانوني على مخافتها وهو بطلان الإجراء المخالف للشكل القانوني.
فكل إخلال شكلي بإجراءات الدعوى يعطي للخصم حق التمسك بتطبيق جزاء هذا الإخلال عن طريق استعمال الدفع الشكلي المناسب.
و سنتعرض لخصائص وأنواع الدفوع الشكلية بالتوالي في مطلبين :
المطلب الأول : خصائص الدفوع الشكلية
تتميز الدفوع الشكلية بالخصائص التالية :
أولا – تقديم الدفوع الشكلية:
يتم إبداء الدفوع الشكلية قبل الدخول في موضوع الدعوى وإلا سقط الحق في الدفع بها، فسكوت المعني بالأمر عن إثارتها قبل أي دفع يعد ضمنيا تنازلا عنها ،لأنه لا يستساغ إثارة مثل هذه الدفوع في كل مراحل الدعوى، لأن من شأن ذلك تأخير الفصل في الدعوى، وهذا كله إذا لم يتعلق الأمر بدفع متعلق بالنظام العام.
فالحكمة في ذلك انه يجب البت أولا في إجراءات الدعوى قبل الانتقال إلى موضوعها لتتأكد المحكمة من أن كل الإجراءات سليمة لتنتقل إلى البحثوالفصل في الموضوع.
ولأنه من غير المعقول أن يبقى احد الأطراف مهددا ببطلان إجراء قام به إلى حين قفل باب المرافعة، ولذلك يعتبر الدفاع في الجوهر بمثابة تنازل وتخل عن إثارة الدفوع الشكلية.
تبت المحكمة في الدفوع الشكلية قبل النظر في موضوع الدعوى ، كقاعدة عامة، لأنه بهذا الإجراء تختصر الطريق لإيجاد الحل والبحث في الطلبات التي يتقدم بها الأطراف لربح الوقت واختصار الإجراءات، ويمكن للمحكمة أن تضم الدفع الشكلي إلى الموضوع إذا تبين لها أن الدفع المذكور يستلزم البحث في الموضوع على انه بعد ذلك تفصل في الدفع الشكلي وحده.
والمشرع المغربي قد أحسن صنعا وهو ينظم البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي كدفع شكلي في المادتين التجارية (3) والإدارية (4) حين فرض البت في الدفع بصورة مستقلة وعدم جواز ضمه إلى الجوهر، وهذا خلاف ما نجده في قانون المسطرة المدنية (5) حيث أعطى المشرع للمحكمة صلاحية البت في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل أو ضم الطلب العارض للجوهر.
وكان على المشرع أن يعيد النظر في الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية بصورة تساير وتنسجم مع ما عليه الأمر في المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية ، لان الإبقاء على البت في الدفع بعدم الاختصاص بصورة مستقلة أو ضمه إلى الجوهر فيه نوع من الخطورة على حقوق المتقاضين.
على انه يجب التنبيه إلى أن الدفع بعدم الاختصاص المكاني والنوعي ينفرد بحكم خاص ويجب الإدلاء به أولا وقبل بقية الدفوع الشكلية الأخرى ، وقد سوى المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية بين الدفع بعدم الاختصاص المكاني والنوعي واوجب الإدلاء بهما قبل أي دفع آخر ولو كان شكليا، كما اوجب على من يثير الدفع بعدم الاختصاص أن يبين المحكمة التي يجب أن ترفع لها الدعوى، ولا كان الطلب غير مقبول.
غير أن المشرع سمح بإثارة الدفع بعدم الاختصاص في الاستئناف بالنسبة للأحكام الغيابية وحدها، كما سمح للقاضي بإثارة عدم اختصاصه النوعي تلقائيا بدون طلب من الأطراف.
وفي حالة تعدد الدفوع الشكلية تفصل المحكمة بداية في الدفع بعدم الاختصاص أيا كان نوعه لتبت في باقي الدفوع، لان المحكمة ممنوعة من النظر في أي دفع إذا لم تكن صاحبة الاختصاص أولا.
ثانيا – طبيعة الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي :
لما كان الحكم الصادر في الدفوع الشكلية لا يمس جوهر الحق ، فانه لا يرتب إنهاء النزاع، وإنما يتمخض عنه انقضاؤه أمام المحكمة التي وافقت عليه، فلو تم الحكم بقبول الدفع بعدم الاختصاص لجاز تجديد الدعوى بعد تصحيح المسطرة ما لم يكن الحق في ذلك سقط لسبب من الأسباب، وهذا يعني أن الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي لا يكتسي حجية الشيء المقضي به.
إن الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي يحوز حجية الأمر المقضي به بخصوص مسألة الدفع فقط دون أن تتعداه إلى جوهر الحق المطالب به ، فلو أن مدعى عليه أثار دفعا شكليا بعدم اختصاص المحكمة ، أو لبطلان المقال الافتتاحي ، ووجدت المحكمة انه محق في دفعه وقررت رد الدعوى لعدم اختصاصاها أو لبطلان المقال الافتتاحي ، فانه يبقى من حق المدعي أن يلجأ إلى القضاء من جديد ويقيم دعواه مرة ثانية أمام المحكمة المختصة، أو بمقال تتوافر فيه الشكليات والبيانات التي يتطلبها القانون.
إذا وقع استئناف الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي فإن محكمة الدرجة الثانية لا يطرح عليها إلا النزاع المتعلق بهذا الدفع دون أن يكون لها النظر في موضوع الدعوى، وفي حالة إلغاء محكمة الاستئناف للحكم الابتدائي أعادت القضية إلى محكمة الدرجة الأولى لتبت في الموضوع لأنها صاحبة الولاية فيه دائما، لأن القاعدة تقول أن الاستئناف لا يطرح على المحكمة للدرجة الثانية إلا ما رفع الاستئناف بشأنه من المحكمة الابتدائية.(6)
ويعد الحكم الصادر في الدفع الشكلي فرعيا، لأنه يصدر قبل الفصل في جوهر القضية.
المطلب الثاني : أنواع الدفوع الشكلية
تتمثل الدفوع التي أشار إليها المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية في الدفع بعدم الاختصاص (7) والدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين (8) والدفع ببطلان الإجراءات التي أضرت بمصالح الأطراف(9).
ولما أجاز المشرع مبدأ التمسك بالدفوع الشكلية أشار إلى بعض أنواعها دون الحصر ، كالدفع بالإحالة أو الضم ، والدفع بالبطلان ، و الدفع بالتوقف عن البت ، والدفع بعدم الاختصاص.
أولا – الدفـع بالبطـلان :
البطلان هو الجزاء القانوني الذي يقرره المشرع لمخالفة إجراء من إجراءات الدعوى للشكل أو للأجل الذي ينبغي أن يتم به أو داخله ذلك الإجراء.
ومن صور الدفع ببطلان المقال الافتتاحي للدعوى لعدم مراعاته مقتضيات المواد 31 و32 من قانون المسطرة المدنية ، التي توجب تضمينه لملخص الطلب والوقائع، وكذا أسماء وصفات الأطراف ، وكذا ببطلان استدعاء الحضور أو بطلان التبليغ.
وتنص الفقرة الأخيرة من الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية على أنه:
"يسري نفس الحكم بالنسبة لحالات البطلان والاخلالات الشكلية والمسطرية التي لا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلا".
فمن خلال هذا الفصل يتبين انه بإمكان الأطراف الدفع بالبطلان إذا لم تحترم مقتضيات المسطرة، وقد ميز المشرع بين البطلان والاخلالات الشكلية والمسطرية.
فبالنسبة للبطلان وحسب واعتقادنا يقصد المشرع كل الحالات التي يقضي فيها بالبطلان شان الفصل 40 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه ما يلي:
" يجب أن ينصرم ما بين تبليغ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور اجل خمسة أيام إذا كان للطرف موطن أو محل إقامة في مكان مقر المحكمة الابتدائية أو بمركز مجاور لها ومدة خمسة عشر يوما إذا كان موجودا في أي محل آخر من تراب المملكة تحت طائلة بطلان الحكم الذي قد يصدر غيابيا "(10)
ففي مثل هذه الحالة يسوغ للطرف ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وعليه أن يثيره قبل الدخول في إثارة الدفوع الموضوعية .
وفي نظر البعض (11) لا يقتصر الدفع بالبطلان على الحالات المنصوص على البطلان فيها صراحة، وإنما يشمل كذلك الحالات التي يتخلف فيها إجراء جوهري يتعلق بالنظام العام ولو لم بنص المشرع صراحة على بطلان تخلفه.
والواقع أن البطلان هو جزاء على الإخلال بالشروط الأساسية للدعوى وهو متصل بالنظام العام، ومن تم ما ساغ أن نشترط مساسه بمصالح الأطراف لقبول الدفع به ، ذلك انه يضر بالمصلحة العليا للمجتمع ، وكما هو معلوم فالمصلحة العليا تجب المصالح الخاصة للأفراد.
أما الاخلالات الشكلية والمسطرية فقد أشار الفصل 49 إلى الدفع بها كوسيلة لدفع الدعوى، واشترط أن تمس بمصالح احد الأطراف وإلا استبعد الدفع بها.
فعبارة الاخلالات الشكلية والمسطرية واسعة وعامة ، يدخل ضمنها كل إغفال أو تخلف للبيانات التي يستلزمها القانون في الدعاوي كعدم تضمين الحكم توقيع الرئيس، وإغفال الإشارة إلى عبارة باسم جلالة الملك، أو إغفال الإشارة إلى الأسماء العائلية والشخصية لأحد الأطراف ،و كعدم احترام قواعد التبليغ المنصوص عليها في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية ، والإخلال بمقتضيات الفصل 50 من نفس القانون بشان صدور الأحكام، وكعدم النطق بالحكم في جلسة علنية أو عدم ذكر وصف الحكم هل هو حضوري أم غيابي...(12).
والإخلال المسطري أو الشكلي يرتب قبول الدفع الشكلي بهذين الاخلالين وبالتالي الطعن في الحكم المختل شكلا أو مسطرة ، فالنتيجة واحدة وهي قبول الدفع الشكلي .
ثانيا - الدفـع بالإحــالة :
يقصد بالدفع بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى منع المحكمة من الفصل في الدعوى المطروحة وإحالتها إلى محكمة أخرى إما لقيام ذات النزاع أمام المحكمة الأخرى أو لارتباط الدعويين.
والدفع بالإحالة هو دفع يمارس عندما تقام دعوى واحدة أمام محكمتين كلاهما مختصة في النزاع، كأن يقيم مدع دعوى عقارية أمام محكمة موقع العقار ، ثم يسجل نفس الدعوى أمام محكمة موطن المدعى عليه، ولما كانت إقامة الدعوى الواحدة أمام محكمتين قد تعرض لصدور أحكام متناقضة ، فانه يكون من حق المدعى عليه أن يتقدم أمام المحكمة التي رفعت إليها الدعوة الثانية بدفع يطلب فيه إحالة الدعوى إلى المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى أولا.
ويستفاد هذا من الفصل 109 من قانون المسطرة المدنية المغربي والذي ينص على انه:
" إذا سبق أن قدمت دعوى لمحكمة أخرى في نفس الموضوع أو إذا كان النزاع مرتبطا بدعوى جارية أمام محكمة أخرى أمكن تأخير القضية بطلب من الخصوم أو من احدهم".
غير انه يجب لممارسة هذا الدفع أن تتوافر بين الدعويين وحدة الموضوع ووحدة السبب ووحدة الأطراف، أي أن تكون دعوى واحدة بعناصر موحدة سجلت مرتين أمام القضاء.
ومنه يمكن القول بان تقديم الدفع بالإحالة مرتبط ببعض الشروط وهي :
-
أن تكون الدعوى الأولى والدعوى
الثانية متعلقتين بنفس الموضوع؛
-
أن تقدم الدعويان أمام محكمتين
مختلفتين وان تجريا في نفس الوقت،
-
أن تكون المحكمتان من نفس النوع (قضاء عادي كالمحكمة الابتدائية
وليس قضاء عادي وقضاء إداري فهنا يرد الدفع بالإحالة ، أو رفع الدعوى الأولى أمام
المحكمة الابتدائية والثانية أمام رئيس المحكمة الابتدائية بصفته رئيسا لها وقاضيا
للأمور المستعجلة...) ،
- ينبغي لقبول الدفع بالإحالة أن تكون المحكمتان تابعتين للقضاء المغربي.
ومن خلال نص الفصل 109 من قانون المسطرة المدنية يتضح أن الدفع بالإحالة غير متعلق بالنظام العام ، ويتجلى ذلك في أن الفصل استعمل عبارة إمكانية تأخير القضية بطلب من الخصوم أو من احدهم ، وكذلك أن المشرع لم يسمح لغير الأطراف بإثارة الدفع المذكور إذ لا يجوز للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها، وهذا ما يثبت تقريره لمصلحة المتضرر.
ثالثا - الدفع بالإحالة للارتباط أو الضم :
يعرف الارتباط بأنه « صلة وثيقة بين دعويين تجعل من المناسب ومن حسن سير العدالة جمعهما أمام محكمة واحدة لتحققهما وتحكم فيهما معا، منعا من صدور أحكام لا توافق بينهما"(13).
ويتحقق موضع الارتباط متى كان موضوع وسبب الدعويين متحدين ن غير انه قد يقوم الارتباط المذكور ولو لم يكن فيهما نفس الموضوع والسبب ، كما لو أن احدهما رفع دعوى يطالب فيها بتنفيذ بيع ورفع الطرف الثاني دعوى يطلب فيها بطلان العقد أو فسخه (14) ، ولا يشترط كذلك لتحقق الارتباط بين الدعويين لاتحاد أطراف الخصومة فيهما.
والدفع بالضم يمارس عندما تسجل عدة دعاوى يقوم بينها ارتباط قانوني أمام محكمة واحدة أو أمام محكمتين، حيث يكون من حسن سير العدالة ضم هذه الدعاوى المرتبطة أمام محكمة واحدة للفصل فيها بحكم واحد.
ويشترط لقيام الإحالة بالضم أو للارتباط ما يلي:
-
يجب أن تكون المحكمتان تابعتين
لجهة القضاء العادي،
-
ينبغي أن تكون المحكمة المطلوب
الإحالة إليها مختصة بالنظر في الدعوى القائمة أمامها نوعيا ومحليا،
- يجب أن تكون المحكمة المطلوب الإحالة إليها مختصة بالدعوى التي يطالب احد الأطراف بإحالتها إليها نوعيا.
وقد تعرض الفصل 110 من قانون المسطرة المدنية لحالة الضم والذي ينبغي إثارته من الأطراف أو من احدهم بشرط أن تكون هذه الدعاوى مرتبطة بعضها بعض.(15)
رابعا – الدفع بالتوقف عن البت:
يقصد بالدفع بالتوقف عن البت توجيه طلب إلى المحكمة لوقف إجراءات الدعوى ريثما يتخذ إجراء ضروري لمواصلتها ، ومن صور هذا الدفع الدفع بطلب آجال لإدخال ضامن أو شخص ثالث في الدعوى والدفع بالتوقف عن البت ريثما تفصل محكمة أخرى في قضية عارضة يتوقف على البت فيها الحكم في الدعوى الأصلية، كما لو سجلت لدى محكمة دعوى لقسمة عقار هو موضوع طلب شفعة من طرف احد الشركاء حيث يجب على المحكمة المعروضة عليها طلب القسمة أن تتوقف عن البت في دعوى القسمة إلى حين
الفصل في دعوى الشفعة من طرف المحكمة المعروضة عليها دعوى الشفعة.(16)
خامسا – الدفع بعدم الاختصاص :
وهو الدفع الذي يتمسك به احد الخصوم لإثارة عدم اختصاص المحكمة المعروضة عليها النزاع ، سواء كان عدم الاختصاص محليا(حسب محكمة الموطن أو المحل أو دائرة النفوذ الجغرافي للمحكمة..) أو نوعيا( تبعا للتنظيم القضائي الذي نظمه ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بإحداث وتنظيم واختصاصات المحاكم بالمغرب) ، يعود إلى عرض قضية على محكمة غير مختصة ترابيا، أو نوعيا للفصل في النزاع.
المبحث الثاني : الدفوع الموضوعية و الدفوع بعدم القبول
المطلب الأول : الدفوع الموضوعية
أولا: الماهية و التعريف
الدفوع الموضوعية أو الدفوع في الجوهر هي الدفوع التي لا علاقة لها بالمسطرة والإجراءات ، أولا بحق الدعوى، بل تنصب على ذات الحق المدعى به، فهي عبارة عن دفاع حقيقي عن موضع القضية المعروضة على المحكمة، تهدف إلى نسف ادعاء الخصم وتقويضه من أساسه، كإنكار وجود الحق المطلــوب مــن المدعي أصلا أو التمســك بانقضاء الالتـــزام بالوفــاء أو المقاصة القـانــــونية.
وتشمل الدفوع الموضوعية كل دفع يترتب على قبوله رفض طلب المدعي ، ومن ثم يصعب حصرها خلاف للدفوع الشكلية التي يمكن تعدادها في غالب الأحيان.
وترمي الدفوع المذكورة إلى تفادي الحكم للمدعي بمطلوبه دون أن يقصد منها الحصول على مزية معينة. وبالتالي فهي تختلف عن الدعاوي التي تهدف إلى الحصول على حق معين.
فلو طالب المدعي بالتعويض وأنكر المدعى عليه بدوره تعويض الضرر الذي يدعي المساس به لكان في هذه الحالة يتقدم بطلب عارض.
وتختلف الدفوع الموضوعية عن الدعاوي كذلك ، بحيث تثار الأولى دون قيد أو شرط ، أما الثانية فلا مناص من أن تكون مرتبطة بالدعوى الأصلية وان تدخل في الاختصاص النوعي للمحكمة المعروضة عليها.
ثانيا : أحكام الدفوع الموضوعية
للدفوع الموضوعية أحكام نوردها كما يلي :
تتميز الدفوع الموضوعية بأنها قابلة للإدلاء بها إلى حين قفل باب المرافعة ، بل وحتى بعد ذلك إذا سمح القاضي بذلك ، كما لو كانت هذه الدفوع تتعلق بإثارة واقعة تعذرت إثارتها قبل قفل باب المرافعة لسبب خارج عن إرادة الأطراف، حيث يمكن للمحكمة إعادة فتح باب المرافعة من جديد بقرار معلــل( الفصل 335 من قانون المسطرة المدنية).
يجـــوز إبداء الدفوع الموضوعية في أية حالــة تكــون عليها الدعـــوى،أي ابتدائيـــا و استئنافيا ، فإبداء دفع موضوعي لا يسقط الحق في إبراء دفع موضوعي أخر،و ليس معنى ذلك تعلقها بالنظام العام،فيجوز النزول عنها صراحة فيسقط الحق فيها، ،.
كما تتميز الدفوع الموضوعية بطبيعة الحكم الصادر بقبولها ، إذ يحوز هذا الحكم حجية الأمر المقضي به، وتعتبر الدعوى قد فصل فيها قطعيا، بحيث يمتنع على المدعي رفع نفس الدعوى من جديد أمام القضاء.
ويمكن تمييز هذه الدفوع بعدة خصائص نجملها فيما يلي :
أ- يمكن التمسك بالدفوع الموضوعية والإدلاء بها
أمام المحكمة في جميع مراحل الدعوى، بل ويجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة الدرجة
الثانية،
ب - يترتب على الحكم الصادر بقبول الدفع الموضوعي إنهاء النزاع أصل الحق المدعى به ويحوز الحكم المذكور حجية الشيء المقضي به ، ومن ثم لا يسوغ تجديد نفس القضية أمام المحكمة مصدرة الحكم أو أية محكمة أخرى.
ج- في حال استئناف الدفع الموضوعي فيعني طرحه برمته أمام محكمة الاستئناف، الأمر الذي يلزمها أن هي ألغت الحكم الابتدائي أن تقضي من جديد في موضوع الدعوى.
د- تتعد الدفوع بتعدد الحقوق والمطالب التي يتمسك بها الأفراد، ولا يمكن بالتالي القيام بحصرها.
هـ - يعد الحكم الصادر في الدفع الموضوعي(17) حكما موضوعيا فاصلا في الموضوع.
فالدفوع الموضوعية متعددة ولا يمكن حصرها ، ومن الصعب الإشارة إليها ، فقط سنقتصر على التقادم كإشكال لم يتفق الباحثون والمهتمون حول طبيعته، هل هو دفع موضوعي ، أم هو دفع شكلي ، أم هو دفع بعدم القبول، وان كان الرأي الراجح يعتبر أن التقادم ليس دعوى وإنما هو دفع موضوعي يتصل بأصل الحق (18) ،ويترتب على ذلك أن الحكم بقبوله ينهي النزاع ويعطي حجية الشيء المقضي به .
لكن هل يعد الدفع بالتقادم المسقط (19) متعلقا بالنظام العام؟ يجيب الفصل 372 من قانون الالتزامات والعقود بحيث ينص على انه:
" التقادم لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لابد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به، وليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه".
فمن خلال مضمون الفصل يتضح أن الدفع بالتقادم لا يتعلق بالنظام العام ما دام المشرع لم يكلف القاضي بإثارته من تلقاء نفسه، ولكن ألزم المصلحة بالتمسك به والإدلاء به.
ويتمسك به المدين باعتباره ذو مصلحة ، كما يمكن أن يتمسك به خلفه في حال وفاته سواء كان خلفا خاص أو خلفا عاما، ويمكن للكفيل أن يتمسك بهذا الدفع إذا تعلق الأمر بدين المدين الأصيل.(20)
المطلب الثاني : الدفوع بعدم القبول
أولا : التعريف
هي الدفوع التي تنصب على حق الدعوى ، وتهدف إلى إنكار حق الخصم في ممارسة الدعوى وعدم توفر الشروط اللازمة لممارسة حق الادعاء كانعدام الصفة أو المصلحة أو الأهلية في الادعاء دون التعرض إلى جوهر الحق الذي تستند إليه الدعوى أو إلى إجراءاتها
فالدفوع بعدم القبول هي التي لا توجه لا إلى إجراءات
الخصومة ولا إلى ذات الحق المدعى به، بل تتجه إلى إنكار سلطة المدعي في استعمال
دعوى، وهي توجه إلى الوسيلة التي يحمي بها صاحب الحق حقه، وهل يمكن استعمالها أم أن
شرط الاستعمال غير جائز لعدم توافر شرط من شروط قبول الدعوى لو لغياب شرط خاص
متعلق بذات الدعوى المرفوعة.(21)
والفصل 49 من قانون المسطرة المدنية نص على ما يلي:
" يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى علة محكمة أخرى لتقدمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين....".
فانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة في
المتقاضي والحالة التي يكون فيها الطعن قــد
قدم بعد انقضاء الأجل المحدد له، والحالة التي يتطلب المدعي
فيها رد الدعوى لسبقية البت ، يعتبرون من بين حالات تطبيق وإعمال الدفوع بعدم
القبول.
الدفوع بعدم القبول وهي التي ينازع بها المدعى
عليه في أن للمدعي حقا في رفع دعواه أو في توافر الشروط التي يتطلبها القانون
لقبول الدعوى. وهذا الدفع يكون لانعدام المصلحة في الدعوى،أو لنقص شرط من شروطها،و
كذلك يكون لفوات الميعاد المحدد لرفعها أو المناسبة المحددة لذلك .
أو هي وسيلة دفاع ترمي إلى إنكار و جود
الدعوى،فهو يوجه إذن إلى الوسيلة التي يحمي بها صاحب الحق حقه ، و ما إذا كان من
الجائز استعمالها،أو أن شرط الاستعمال غير جائز لعدم توافر شرط من الشروط المتعلقة
بذات الدعوى المرفوعة .
ثانيا : خصائص الدفع بعدم القبول
تتميز
الدفوع بعدم قبول الدعوى تبعا لذلك بما يلي :
فباعتباره اقرب للدفوع الشكلية فإنها لا تقبل
إلا إذا أثيرت في الجلسة الأولى و قبل كل دفاع في الجوهر.
إن الدعوى التي يحكم بعدم قبولها يجوز رفعها
– في تقديرنا – من جديد إذا ما استكملت شروط قبولها.
فمن المقرر في الفصل الأول- من قانون المسطرة
المدنية- أن الدفع بعدم القبول إذا كان متعلقا بالشروط التي يجب توافرها في صحة
التقاضي من صفة و أهلية و مصلحة و إذن بالتقاضي إن كان ضروريا فان القاضي ينذر
الطرف بتصحيح المسطرة داخل اجل يحدده فإذا تم تصحيحها اعتبرت الدعوى و كأنها أقيمت
بصفة صحيحة و إلا صرح القاضي بعدم قبولها.
و الواضح من ذلك إن عدم القبول يختلف عن الرفض
فالرفض يتناول الموضوع و يمنع من إعادة رفع الدعوى بنفس الحق أما عدم القبول فلا
يتناول إلا
الحق في رفع الدعوى و لا يمس الحق المرفوعة به الدعوى،و لذلك يجوز تجديد رفع
الدعوى التي يحكم بعدم قبولها
ما لم تكن المسألة تتعلق بالتقادم أو بفوات الأوان أو الميعاد.
خاتـمـة
من
خلال ما سبق فإن الدفوع هي تلك الوسائل التي يستعملها المدعي عليه ليتفادى الحكم
عليه بطلبات خصمه،أو تأخير هذا الحكم ، أو التضرع بعدم الاختصاص، أو أن يدلي
بانتفاء المصلحة لدى المدعي ، وقد يثير سقوط الحق موضوع الدعوى.
فالدفوع في حقيقة الأمر لا تضيف شيئا جديدا
للخصومة إذ أنها تهدف فقط إلى تفادي الحكم بما يدعيه الخصم الآخر، فالنزاع يتحدد
بالادعاءات و ليس بالدفوع .
و
الأصل أن القانون ينظم الدفوع باعتبارها وسيلة لرد المدعى عليه على الدعوى،و
تمكينه الاعتراض عليها أو على إجراءاتها.
إذن فهي الأداة المقابلة للدعوى في يد المدعى عليه، و مع ذلك فان المدعي يحق له تقديم دفوع للرد على الطلبات العارضة للمدعى عليه ، كما يحق له الرد على دفوع المدعى عليه سواء من حيث موضوعها أومن حيث إجراءاتها.
(3)- المادة 8 من قانون المحاكم التجارية
(4) – المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية
(5) – الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية
(6) – ابو الوفاء –مصدر سابق – ص 15
(7) – الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية
(8) – الفصل 49 و109 من قانون المسطرة المدنية
(9) – الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية
(10) - انظر في نفس الاتجاه الفصلين 517 و528 من قانون المسطرة المدنية
(11) – أبو الوفاء –مصدر سابق – ص292
(12) – من بين حالات الاخلالات الشكلية عدم بيان نوع الشركة في المقال الافتتاحي للدعوى، انظر بهذا الشأن : قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء المنشور بتاريخ 19/03/1985، بالمجلة المغربية للقانون، عدد1/1986 ص 53
13) – أبو الوفاء مرجع سابق – ص 250
14) - عبد اللطيف البغيل، الدعوى المدنية و إجراءاتها في التشريع المغربي ، الطبعة الثانية 2006 ، طوب بريس الرباط .ص 98
(17) – ابو الوفاء – مرجع سابق ص 14 و 15
(18) – والدليل على انه دفع موضوعي أن المشرع المغربي نظمه في إطار قانون الالتزامات والعقود، وكما هو معلوم فالقانون المذكور ينظم المراكز القانونية والحقوق ولا يتناول القواعد المسطرية ، لمزيد من التفصيل في هذه المسألة، راجع :
- الكزبري ، نظرية الالتزامات ،ج2، ف418 ، ص 577-- 578
(19) - علي عوض حسن : الدفع بالتقادم والسقوط والانقضاء، دار محمود للنشر والتوزيع، مصر ، ط 1955، ف 120، ص 94 – 95
(20)- الكزبري ، نظرية الالتزامات ،ج2، ف 420 ، ص420 و 581
(21)– ابو الوفاء ، مرجع سابق ، ص 16 و 17
تعليقات
إرسال تعليق